للتحميل pdf اضغط هنا
هل يعتبر الدم من النجاسات؟
درس الإثنين بعنوان [هل يعتبر الدم من
النجاسات؟]
هل يعتبر الدم من النجاسات؟
الدم على أقسام:
1 - دم الحيض: وهو نجس باتفاق العلماء، وقد تقدم الدليل على
نجاسته.
2 - دم الإنسان: وهو مختلف فيه، فالمشهور عند أصحاب المذاهب
الفقهية أن الدم نجس، وليس عندهم حجة، إلا أنه محرم بنص القرآن في قوله تعالى:
{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ
إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
فَإِنَّهُ رِجْسٌ}. فاستلزموا من التحريم النجاسة - كما فعلوا في الخمر – ولا يخفى ما فيه، لكن نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على
نجاسته، وسيأتي الكلام في ذلك.
بينما ذهب جماعة من المتأخرين منهم الشوكاني
إلى القول بطهارته لعدم ثبوت الإجماع عندهم، واستدلوا كذلك بما يأتي:
1 - أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم الدليل على
النجاسة، ولا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل دمْ غير دم الحيض، مع
كثرة ما يصيب الإنسان من جروح ونحوها، فلو كان الدم نجسًا لبينه صلى الله عليه
وسلم لدعاء الحاجة إلى ذلك.
2 - أن المسلمين ما زالوا يصلون في جراحاتهم، وقد يسيل منهم
الدم الكثير، الذي ليس محلاًّ للعفو، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بغسله،
ولم يرد أنهم كانوا يتحرزون عنه تحرزًا شديدًا:
- قال الحسن: «ما زال المسلمون يصلون في
جراحاتهم»
وفي حديث الصحابي الأنصاري «الذي قام يصلي
في الليل، فرماه المشرك بسهم، فوضعه، فنزعه، حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد
ومضى في صلاته وهو يموج دمًا» .
قال الألباني -رحمه الله -: وهو في حكم المرفوع، لأنه
يُستبعد عادة أن لا يطَّلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فلو كان الدم الكثير
ناقضًا لبينه صلى الله عليه وسلم، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو
معلوم من علم الأصول، وعلى فرض أن النبي صلى الله عليه وسلم خفى ذلك عليه، فما هو
بخاف على الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فلو كان ناقضًا أو
نجسًا لأوحى بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر لا يخفى على أحد. اهـ.
وفي حديث مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«صلى عمر وجُرحه يثعب دمًا».
أي: يجري دمًا.
3 - لحديث عائشة -في قصة موت سعد بن معاذ- قالت: «لما أصيب
سعد بن معاذ يوم الخندق رماه رجل في الأكحل، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم
خيمة في المسجد ليعوده من قريب .... فبينما هو
ذات ليلة إذ تفجر كَلْمُه فسال الدم من جرحه حتى دخل خباء إلى جنبه، فقالوا: يا أهل
الخباء ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فنظروا، فإذا سعد قد انفجر كَلْمُه والدم له
هدير فمات».
قلت: ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم
أمر بصب الماء عليه لا سيما وهو في المسجد كما أمر بالصب على بول الأعرابي.
4 - أن ابن رشد لما ذكر اختلاف العلماء في دم السمك، ذكر أن
السبب في اختلافهم هو اختلافهم في ميتته، فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم
جعل دمه كذلك ومن أخرج ميتته أخرج دمه قياسًا على الميتة.
ونقول: هم يقولون بطهارة ميتة الآدمي، فكذلك
دمه على قاعدتهم.
ولذا قال ابن رشد عقبه: «والنص إنما دلَّ
على نجاسة دم الحيض، وما سوى ذلك فهو على الأصل المتفق عليه بين المتنازعين، وهو
الطهارة، فلا يخرج منه إلا بنص تقوم به الحجة» اهـ.
فإن قيل: ألا يقاس على دم الحيض، ودم الحيض
نجس؟
قلنا: هذا قياس مع الفارق:
فإن دم الحيض دم طبيعة وجبلة النساء، قال
صلى الله عليه وسلم: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» وقال في الاستحاضة: «إنه دم عرق».
ثم إن دم الحيض دم غليظ منتن له رائحة
مستكرهة، فأشبه البول والغائط، لا الدم الخارج من غير السبيلين.
3 - دم الحيوان مأكول اللحم: والقول فيه كالقول في دم
الآدمي من جهة عدم الدليل على النجاسة، فتستصحب البراءة الأصلية.
ويؤيد القول بطهارته أيضًا:
حديث ابن مسعود قال: «كان النبي صلى الله
عليه وسلم يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب
له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها
وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد، فيضعه على كتفيه، فانبعث أشقاهم، فملا سجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه وثبت النبي صلى الله عليه وسلم
ساجدًا فضحكوا .... الحديث».
فلو كان دم الجزور نجسًا لألقى النبي صلى
الله عليه وسلم ثوبه، أو خرج من صلاته.
وقد صح «أن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم
جزور نحرها ولم يتوضأ».
وإن كان هذا الأثر قد يُنازع في الاستدلال
على طهارة دم الحيوان، لأن ابن مسعود لم يكن يرى طهارة البدن والثوب شرطًا لصحة
الصلاة، ويرى أنها مستحبة.
قلت: لو ثبت الإجماع على نجاسة الدم لم
نلتفت إلى أدلة المتأخرين، وإن لم يثبت فالأصل الطهارة ولسنا بحاجة إلى هذه
الأدلة، والذي ظهر لي -بعد اختياري للقول بالطهارة على مدى عشر سنوات- أن الإجماع
في المسألة ثابت، قد نقله غير واحد من أهل العلم ولم يثبت ما ينقضه، وأعلى هذه
النقولات ما نقل عن الإمام أحمد ثم ما نقله ابن حزم - خلافًا لمن ظن أن مذهبه القول
بالطهارة!! - ومما وقفته من ذلك:
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 240):
سئل أحمد: الدم والقيح عندك سواء؟ قال: لا،
الدم لم يختلف الناس فيه.
وقال مرة: القيح والصديد والمدة عندي أسهل
من الدم. اهـ.
وقد نقل ابن حزم في مراتب الإجماع: اتفاق
العلماء على نجاسة الدم.
وكذا نقل -هذا الاتفاق - الحافظ في «الفتح»
(1/ 420).
وقال ابن عبد البر في التمهيد (22/ 230):
وحكم كل دم كدم الحيض إلا أن قليل الدم
متجاوز عنه لشرط الله عز وجل في نجاسة الدم أن يكون مسفوحًا فحينئذ هو رجس والرجس
نجاسة وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس. اهـ.
وقال ابن العربي في أحكام القرآن (1/ 79):
اتفق العلماء عل أن الدم حرام نجس لما يؤكل
ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى هاهنا مطلقًا، وعينه في سورة الأنعام مقيدًا
بالمسفوح، وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعًا. اهـ.
وقال النووي في المجموع (2/ 576):
والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم
فيه خلافًا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال:
هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف. اهـ.
قلت (أبو مالك): الذي يترجح لدى أن الدم نجس لثبوت
الإجماع حتى ينقل عن إمام يتقدم على أحمد -رحمه الله- القول بالطهارة، والله أعلم.
____________________________________
من صفحة 81:77
الكتاب: صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة
المؤلف: أبو مالك كمال بن السيد سالم
الناشر: المكتبة التوفيقية، القاهرة - مصر
عام النشر: 2003 م
عدد الأجزاء: 4


تحويل كودإخفاء محول الأكواد الإبتساماتإخفاء