الطهارة باقي أنواع النجاسات
للتحميل PDF اضغط هنا
للتحميل WORDاضغط هنا
تابع الطهارة
أيها الأحبة سنكمل اليوم بإذن الله باقي أنواع النجاسات:
11 - سؤر السباع والدواب التي لا يؤكل لحمها:
السؤر: هو ما بقي في الإناء بعد الشرب.
ويدل على نجاسته قول النبي صلى الله عليه
وسلم وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينوبه من السباع والدواب،
فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث».[هذا الحديث صحيح: أخرجه أبو داود (63)، والنسائي (1/
46)، والترمذي (67) وهو صحيح كما في صحيح الجامع [758].]
أما الهرة فما دونها فسؤره طاهر، لقول النبي
صلى الله عليه وسلم: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات».[هذا الحديث صحيح: أخرجه أحمد (5/ 303)، وأصحاب السنن
وانظر الإرواء (173).]
12 - لحم ما لا يؤكل لحمه من الحيوان:
وذلك لحديث أنس رضي الله عنه قال: أصبنا من
لحم الحمر -يعني يوم خيبر- فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ورسوله
ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس، أو: نجس».[ صحيح: أخرجه مسلم (1940)، وأحمد (3/ 121) وهو في
البخاري بدون لفظ «فإنه رجس».]
ولحديث سلمة بن الأكوع قال: لما أمسى اليوم
الذي فتحت عليهم فيه خيبر أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «ما هذه النار على أي شيء توقدون»؟ قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟»
قالوا: على لحم الحمر الإنسية، فقال: «أهريقوها واكسروها». فقال رجل: يا رسول
الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: «أو ذاك».[ صحيح: أخرجه مسلم (1802).]
ففي الحديثين دلالة على نجاسة لحوم الحمر الأهلية لقوله
صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول: «فإنها رجس، أو: نجس» ولأمره صلى الله عليه
وسلم في الحديث الثاني بكسر الآنية أولاً، ثم إباحته للغسل ثانيًا.
هل يُعَدُّ المني طاهرًا أم نجسًا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يقول بنجاسة المني وبه قال أبو
حنيفة ومالك وهو رواية عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة لما سئلت عن المني
يصيب الثوب فقالت:
كنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء».[ متفق عليه. البخاري (230)، ومسلم (289).] والغسل لا يكون إلا لشيء نجس.
القول الثاني: قال أصحابه بطهارة المني وممن
قال بذلك الشافعي وداود وهو أصح الروايتين عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة
في المني قال: «كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم».[ صحيح: مسلم (288).]
وبحديثها أيضًا أن ضيفًا نزل بعائشة فأصبح
يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت
حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركًا فيصلى فيه».[ صحيح: مسلم (288).] والاكتفاء بالفرك يدل على طهارته.
وقد أجاب القائلون بالنجاسة بأن الفرك لا
يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير كما أن تطهير النعل يكون بمسحها في
التراب.
ويجاب عن هذا بأن فرك عائشة للمني تارة وغسله تارة أخرى لا
يقتضي تنجيسه، فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ، وهكذا قال غير واحد من
الصحابة: كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس وغيرهما: «إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق،
أمطه عنك ولو بإذخرة». [«مجموع
الفتاوى» (21/ 605).]
فظهر بهذا أن فعل عائشة رضي الله عنها، إنما
هو من باب اختيار النظافة.[
شرح مسلم.]
ويتأيد الحكم بطهارة المني أن الصحابة كانوا
يحتلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المني يصيب بدن أحدهم وثيابه، وهذا
مما تعم به البلوى، فلو كان نجسًا لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم
بإزالته كما أمرهم بالاستنجاء ... ، ولم ينقل
أحد هذا، فعلم يقينًا أن إزالته لم تكن واجبة، والله أعلم[«مجموع الفتاوى» (21/ 604).]
. هل تُعَدُّ الخمر من النجاسات؟
اختلف العلماء في حكم الخمر على قولين:
الأول: أنها نجسة: وهو مذهب جمهور العلماء،
منهم الأئمة الأربعة واختاره شيخ الإسلام، وحجتهم:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ
مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة المائدة، الآية: 90.].
قالوا: الرجس هو النجس، فحكموا بنجاسة عين
الخمر نجاسة حسية.
القول الثاني: أنها طاهرة: وبه قال ربيعة
والليث والمزني وغيرهم من السلف، ورجَّحه الشوكاني والصنعاني وأحمد شاكر والألباني
-رحمهم الله- وهو الراجح، لما يأتي:
[1] أنه ليس في الآية دلالة على نجاسة
الخمر، وذلك من أوجه:
(أ) أن لفظة (رجس) [انظر «النهاية» لابن الأثير، و «لسان
العرب»، و «مختار الصحاح»، والتفاسير.]من المشتركات اللفظية، فهي تحتمل معان كثيرة ، منها:
القذر، المحرم، القبيح، العذاب، اللعنة، الكفر، الشر، الإثم، والنجس وغيرها.
(ب) أننا لم نقف على قول لأحد من السلف
فسَّر الرجس في هذه الآية بالنجس بل قال ابن عباس: (الرجس: السخط) وقال ابن زيد:
(الرجس: الشر).
(جـ) أن لفظة (رجس) قد وردت في كتاب الله
-في غير هذه الآية- في ثلاثة مواضع وليس في واحد منها (الرجس) بمعنى النجس: فالرجس
في قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}
[سورة الأنعام، الآية: 125.] معناه: العذاب وفي قوله في شأن المنافقين:
{إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ}. المراد: علمهم رجس أي قبيح.
وفي قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ
مِنَ الأَوْثَانِ}.[
سورة التوبة، الآية: 95.]
سمى الأوثان رجسًا لأنها سبب الرجز والعذاب، وليس المراد بها النجاسة الحسية، فإن
عين الحجارة والأوثان ليست بنجسة، وفي قوله {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ .... فَإِنَّهُ رِجْسٌ} محتمل ...
(د) لما وقع الخمر في الآية مقترنًا
بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إلى غير النجاسة الشرعية،
وهكذا قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}.[ سورة التوبة، الآية: 28] لما جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم
نجاسة ذوات المشركين.
(و) أن تحريم الخمر لا يستلزم نجاستها، أما
النجاسة فإنه يلازمها التحريم فإنه يحرُم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة
شرعًا وإجماعًا.
(هـ) أن (الرجس) في الآية مقيد بكونه (من
عمل الشيطان) فهو رجس عملي بمعنى قبيح أو محرم أو إثم، وليس رجسًا عينيًا تكون به
هذه الأشياء نجسة.
[2] ومما يستدل به على طهارة الخمر: حديث
أنس في قصة تحريم الخمر، وفيه «... فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، .... قال: فخرجت فأهرقتها فجرت في سكك المدينة».[ صحيح: البخاري (2332)، ومسلم (1980).]
[3] وفي حديث الرجل الذي كان معه مزادتان
فيهما خمر: «... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله
الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح [الرجل] المزادتين حتى ذهب ما فيهما ...».[ صحيح:
أخرجه مسلم (1206)، ومالك (1543).]
فلو كانت الخمر نجسة لأمر النبي صلى الله
عليه وسلم بصب الماء على الأرض لتطهيرها كما أمر بالصب على بول الأعرابي، ولأمرهم
بالاحتراز منها.
ولو كانت نجسة لأمر صاحب المزادتين بغسلهما.
[4] أن الأصل الطهارة، ولا ينقل عنها إلا
ناقل صحيح، ولم يقم الدليل على النجاسة فتبقى على الأصل. والله أعلم.
--------------------------
من صفحة 81:74
الكتاب: صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة
المؤلف: أبو مالك كمال بن السيد سالم
الناشر: المكتبة التوفيقية، القاهرة - مصر
عام النشر: 2003 م
عدد الأجزاء: 4


تحويل كودإخفاء محول الأكواد الإبتساماتإخفاء