خطبة بعنوان [الصبر على البلاء سبب لمحبة رب
الأرض والسماء]
عناصر الخطبة
1)تعريف الصبر
2)منزلة الرضا من الصبر
3)نداء
4)الصبر ضياء
5)
مواقف للصابرين
تعريف الصبر وذكر مراتبه
________________
معنى الصبر: الصبر لغة: هو المنع والحبس.
وشرعاً هو: هو خلق فاضل من أخلاق النفس،
يمتنع به عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها،
وقوام أمرها.
والنفس لها قوتان: قوة إقدام وقوة إحجام.
فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى
ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره.
والصبر والجزع ضدان، كما أخبر تعالى عن أهل
النار أنهم يقولون: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ
مَحِيصٍ} [إبراهيم:21].
فهذا تعريف الصبر.
منزلة الرضا ومحلها من الصبر
__________________
أما الرضا فهو: انشراح الصدر وسعته بالقضاء.
يعني: أن الرضا درجة أعلى من درجة الصبر،
فالصبر: المنع والحبس، منع النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم
الخدود، وشق الجيوب ونحو ذلك.
أما الرضا فهو: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء،
وترك تمني زوال الألم.
يعني: أن الإنسان لو أصيب ببلاء فهو لا يتمنى
زوال هذا البلاء؛ لما يرجو من ثوابه عند الله عز وجل، فهو لو خير بين أن الذي ذهب
منه يعود إليه وبين ألا يعود لاختار ألا يعود، فلو مات له ولد أو فقد ماله أو فقد
سمعه أو بصره فإن طمعه في ثواب الله، ومحبته لقضاء الله عز وجل وقدره تجعله لا
يتمنى غير ما كان، فهو يرضى بقدر الله عز وجل، ويطمع في الثواب، وتطمئن نفسه إلى
قضاء الله عز وجل وقدره.
وإذا وجد الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم
بالكلية، فللعبد فيما يكره درجات: درجة الرضا ودرجة الصبر.
فالرضا فضل مندوب إليه، والصبر واجب على
المؤمن حتماً.
وأهل الرضا تارة يلاحظون المبتلي وخيره لعبده
في البلاء، وأنه غير متهم في قضائه.
وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله،
فيستغرقون في مشاهدة ذلك؛ حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه أهل المعرفة
والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم صدوره من حبيبهم.
أحبتي في الله ! اصبروا على الابتلاءات تحظوا
بمحبة ربكم، إن الله يحب الصابرين، إن الله مع الصابرين، {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}
[البقرة:157].
- فمن مقاصد الابتلاء نيل محبة الله بعد نيل
الإمامة، ألم تروا أن أيوب عليه السلام نال درجة علية وشهادة سامية بصبره على
البلاء؟ قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ
أَوَّابٌ} [ص:44]، ثلاث شهادات لو نال واحدة منها شخص منا ما وسعته الدنيا بأسرها،
قال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44].
هل نال الصديق يوسف درجة الصديقية إلا بالصبر
على ما حل به من البلاء؟! هل نال نوح درجة العبد الشكور إلا بصبره على البلاء؟!
وإبراهيم الذي وفى هل نال درجة الإمامة إلا بصبره على البلاء {وَإِذِ ابْتَلَى
إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ} [البقرة:124]؟! الشاهد: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ
بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة:124] أي: بأوامر ونواهٍ، فقام بهن وصبر، فقال
الله له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124] فالإمامة تنال
بالصبر محبة الله تنال بالصبر معية الله تنال بالصبر الدرجات ترفع بالابتلاءات
والصبر عليها.
=الله عز وجل يبتلي العباد بالخير والشر،
امتحاناً لهم وفتنة، يختبرهم بهما وهو الذي يقلب الليل والنهار، وهو الذي جعل
الأيام بين الناس دولاً، {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ
لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ
الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ
اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:140 -
142].
فالله سبحانه وتعالى جعل الأيام دولاً بين
الناس، بين الذلة والتمكين، بين القوة والضعف، بين الفقر والغنى، كما جعل ذلك في
الكائنات، حيث جعل الدولة بين الليل والنهار، وبين الحياة والموت، وهو عز وجل بيده
الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا
رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123]
نداء
معاشر المؤمنين: نداء نوجهه إلى كل سقيم على فراش
السقم، وإلى كل مريض على مرقد المرض، وإلى كل مبتلى ببلية في بدنه أو في غير ذلك،
نقول له: اسمع ما بشرت به وما ينتظرك من الفضل والثواب إن كنت صابراً محتسباً!
فأول ذلك: أن البلاء قد يكون من دلائل صلابة العبد في دينه، وأن الله ربما أحبه
فابتلاه في الدنيا لتكفر ذنوبه وخطاياه فيقدم على ربه طاهراً مطهراً، فعن سعد رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم
الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن
كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على
الأرض وما عليه خطيئة) رواه البخاري.
فلا تجزع يوم أن ترى قريباً من أقاربك أو ذوي
رحمك أو عصبتك أو من جيرانك أو المسلمين مريضاً وإن طالت به أشهر المرض وسنينه،
فإن الله جل وعلا يكفر من ذنوبه بكل لحظة يرقد فيها على علته وسقمه.
وعن فاطمة رضي الله عنها قالت: (أتينا رسول
الله صلى الله عليه وسلم نعوده في نسائه، فإذا سقاء- يعني: قربة- معلق نحوه صلى
الله عليه وسلم، يقطر ماء السقاء على النبي صلى الله عليه وسلم من شدة ما يجد من
حرِّ الحمى، قلنا: يا رسول الله! لو دعوت الله لشفاك؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن
من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)
رواه الإمام أحمد بسند صحيح.
وتقول عائشة رضي الله عنها: [كان صلى الله
عليه وسلم رجلاً مسقاماً] أي: كثيراً ما يطرقه السقم وكثيراً ما ينزل به المرض،
وربما وصف له الدواء فتداوى.
ثم إن هذه المصائب هي بقدر الله وقدر الله
خير، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يذكره عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن صهيب قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد مع أصحابه إذ ضحك،
فقال: ألا تسألونني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! وممَّ تضحك؟ قال: أضحك عجباً
لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان
خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه الإمام أحمد.
والمرض يكفر الذنوب كما في حديث أم العلاء
يوم أن كانت مريضة فزارها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا أم العلاء! أبشري
فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة) رواه أبو
داود بسند صحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى
الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته) رواه مسلم والوصب: هو المرض، والنصب: التعب،
والهم: من أمر المستقبل، والحزن: على أمرٍ قد مضى.
سبحان الله! حتى الهموم التي تحل بذهن العبد
وخاطره يكفر الله بها من ذنوبه وسيئاته، لك الحمد يا ربنا على هذا الدين العظيم
الذي ما ترك لنا شيئاً في سراء أو ضراء إلا وفتح فيه باباً إلى الرضا والمثوبة
والجنة، حتى الهم لو اشتغلت بأمر سكنى أولادك أو نفقة زوجتك أو أهمك أمر بناتك، أو
أهمك أمر من الأمور الدنيوية المباحة، فإن هذا الهم تكون مأجوراً عليه، فما بالك
بالهم الذي هو لأجل الدين ؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (تنزل المعونة من السماء على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر
المصيبة) رواه البزار والحديث صحيح، والمئونة: القوت، ومن نعم الله أن الله يوطئ
للمصيبة في قلب العبد شيئاً من الرضا وشيئاً من الاحتساب وشيئاً من الصبر، حتى إذا
نزلت المصيبة، نزلت هينة على العبد، فلا يفوته حظه فيها من الاسترجاع والفوز
والأجر العظيم عند صبره عليها لكي يصبر في أول وهلة تطرقه المصيبة (إنما الصبر عند
الصدمة الأولى).
الصبر ضياء
_______
الصبر ضياء للمسلم في حياته، وأعلى منه رتبة
الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، وقد ضرب في ذلك الأنبياء والصالحون أروع الأمثلة،
وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيوب عليه السلام، فعلى المرء
المسلم أن يتحلى بالصبر والرضا حتى ينال الدرجات العلى.
مواقف إيمانية في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء
_________________________________
موقف أيوب عليه السلام في الصبر على البلاء والرضا بالقضاء
____________________________________
وأولى الناس بالذكر في هذا الباب هو أيوب
عليه السلام؛ لأنه الذي يضرب به المثل في الصبر.
قال ابن كثير رحمه الله: قال علماء التفسير
والتاريخ وغيرهم: كان أيوب رجلاً كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام
والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة من أرض حوران، وحكى ابن عساكر أنها كانت كلها
له، وكان له أولاد وأهلون كثير، فسلب منه ذلك جميعه، وابتلي في جسده بأنواع من
البلاء، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله عز وجل بهما، وهو في ذلك
كله صابر محتسب ذاكر لله عز وجل في ليلة ونهاره وصبحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس واستوحش منه
الأنيس، وأخرج من بلده وألقي على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس ولم يبق أحد يحنو
عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها، وشفقته عليها، فكانت
تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته، وضعف حالها، وقل
مالها، حتى كانت تخدم الناس بالأجر وتطعمه، وتقوم بحاجته رضي الله عنها وأرضاها،
وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة
بالزوج وضيق ذات اليد، وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة، فإنا لله
وإنا إليه راجعون.
ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وقال: يبتلى
الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه).
ولم يزد هذا أيوب عليه السلام إلا صبراً
واحتساباً، وحمداً وشكراً، حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام.
ويضرب أيضاً بما حصل له من أنواع البلاء، قال
تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ
الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ
وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا
وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا
تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:41 -
44].
قال السعدي رحمه الله: ولما تطاول به المرض
العظيم ونسيه الصاحب والحميم نادى ربه: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83]، فقيل له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص:42]،
فركض، فنبعت بركضته عين ماء بارد، فقيل له: اشرب منها واغتسل، ففعل ذلك فذهب ما في
ظاهره وباطنه من البلاء.
وقال الحافظ: أصح ما ورد في قصته ما أخرجه
ابن أبي حاتم وابن جريج وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن
الزهري عن أنس: أن أيوب ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد
إلا رجلين من إخوانه فكانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما للآخر: لقد أذنب أيوب
ذنباً عظيماً وإلا لكشف عنه هذا البلاء، فذكره الآخر لأيوب، فحزن ودعا الله حينئذ،
فخرج لحاجته، وأمسكت امرأته بيده، فلما فرغ أبطأت عليه، فأوحى الله إليه: {ارْكُضْ
بِرِجْلِكَ} [ص:42]، فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها، فرجع صحيحاً، فجاءت
امرأته فلم تعرفه، فسألته عن أيوب فقال: إني أنا هو، وكان له أندران: أحدهما
للقمح، والآخر للشعير، فبعث الله سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض، وفي
أندر الشعير الفضة حتى فاض.
وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه
مرفوعاً: (بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه -
يعني: يجمع في ثوبه من هذا الجراد الذي هو من ذهب- فناداه ربه: يا أيوب! ألم أكن
أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب! ولكن لا غنى لي عن بركتك).
ولا بأس أن يطلب الإنسان المال الحلال حتى
ولو كان عنده مال كثير، فأيوب عليه السلام كان عنده ذهب وفضة، ومع ذلك كان يجمع
جراد الذهب فقال الله عز وجل له: (يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا
رب! ولكن لا غنى لي عن بركتك).
ففي قصة أيوب عليه والسلام عبرة للمعتبرين،
فإنه صبر هذا الصبر الجميل على ذهاب ماله وأقاربه وصحته، وثبت على حبه لله عز وجل
وصبره على قضائه وقدره، واقتصاره على الشكوى إلى الله عز وجل، وهي لا تنافي الصبر؛
لأن الله عز وجل يقول: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص:44]، مع أنه شكى إلى الله
وقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
[الأنبياء:83].
موقف أم سليم الأنصارية في الصبر والرضا
من المواقف الإيمانية في الصبر: موقف أم سليم
امرأة أبي طلحة رضي الله عنهما.
عن أنس رضي الله عنه قال: (اشتكى ابن لـ أبي
طلحة فمات وأبوه أبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً -قيل:
غسلته وكفنته، وقيل: تزينت له- وجعلت ابنها في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال:
كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح).
فلم تستقبله عند دخوله بالمصائب والمشاكل، بل
جعلت تهدئ من نفسه ثم تخبره في الوقت المناسب، مع أن النساء أقل صبراً بالنسبة
لمرض الأولاد أو موت الأولاد، ولكن هذه المرأة تضرب هذا المثل العظيم جداً في
الصبر والأدب، فقال أبو طلحة: (كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد
استراح).
وظن أبو طلحة أنها صادقة، وهي فعلاً صادقة،
ولكنها عرضت بالكلام.
قال: (فباتا، فلما أصبح اغتسل -إشارة إلى أنه
أصاب منها- فلما أراد أن يخرج أعلمته)، يعني: صبرت كل هذا الوقت، فلما أراد أن
يخرج أعلمته أنه قد مات.
وفي بعض الروايات: أنها قالت له: (لو أن
أحداً وضع عندك وديعة ثم أراد أن يستردها، أكان يحزنك ذلك؟ فقال: لا، فأخبرته بعد
ذلك) فمهدت له الخبر بضرب هذا المثل.
قال: (فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات،
فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبره بما كان منها، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما، فقال رجل من الأنصار: فولد له ولد
فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد حفظوا القرآن).
فرزقت ولداً وسمي عبد الله، وحنكه النبي صلى
الله عليه وسلم ودعا له، وكان من ذرية هذا الولد هؤلاء القراء التسعة.
وفي بعض الرويات: أنها جاءت بغلام حنكه رسول
الله صلى الله عليه وسلم وسماه عبد الله، والذي كان من سلالته الإخوة القراء.
فالحاصل: أن المواقف الإيمانية ترفع العبد في
الدنيا والآخرة.
قال الحافظ: وقوله: (هيأت شيئاً) قال
الكرماني: أي: أعدت طعاماً لـ أبي طلحة وأصلحته، وقيل: هيأت حالها وتزينت.
وقال الحافظ: بل الصواب أنها هيأت أمر الصبي
بأن غسلته وكفنته، كما روي في بعض الطرق صريحاً.
وقوله: (فلما أصبح اغتسل) كناية عن الجماع.
فهذا موقف إيماني من أم سليم رضي الله عنها،
مع أن النساء أشد هلعاً وجزعاً في مثل هذه المواقف، ولكن الإيمان يغير طبائع النفوس،
ويعلو بهمم العباد، ويرفعهم في الدنيا والآخرة.
وعمت بركة هذا الموقف الإيماني ذرية أبي طلحة
وأم سليم ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في أولاد أولادها تسعة كلهم
ختم القرآن، فليتأس الشخص وليتعلم أوصاف السابقين الأولين، وليعلم أن الرجال أولى
بهذا الصنيع.
اللهم اجعلنا من الصابرين دائما والشاكرين
بفضلك ياأرحم الراحمين
الدعاء
كتبه وجمعه الفقير إلى عفو مولاه /أحمد محمد
أحمد أبو إسلام
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
مديرية أوقاف الشرقية


تحويل كودإخفاء محول الأكواد الإبتساماتإخفاء